30 يونيو 2007

الإخوان المسلمين وإشهار الإفلاس السياسي


إسماعيل حسنى ـ موقع شباب مصر

يبدو أن حمى التخلي عن الثوابت في سبيل السلطة قد انتقلت إلينا بسرعة عبر الحدود الغربية ، فقد تألمنا جميعا ونحن نرى بعض جيراننا يصابون بها ، ويتجردون من ملابسهم أو مبادئهم على إيقاع طبول الوعد والوعيد الأمريكية ، فألغوا برامج تسليح بلادهم ، وأبلغوا عمن قدم إليهم المساعدة من إخوانهم ، وحيث أن ذلك كله لم يكن كافيا ومرضيا لأمريكا ، قاموا بقطع أرحامهم ، وتنكروا لعروبتهم ، وانطلقوا يبحثون عن عائلة جديدة ينتسبون إليها। وبالأمس القريب ، وعلى نفس الإيقاع المثير ، رأينا مرشد جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في خضم سعيه المحموم لإنهاء الحظر المفروض على الجماعة منذ الخمسينات من القرن الماضي ، ومن أجل الحصول بأي ثمن على ورقة الشرعية التي تتيح له تحقيق حلم الجماعة الأزلي وهو المشاركة في السلطة ، يقف ليعلن قبوله بالحكم المدني ومؤكدا أن الجماعة تسعى لإنشاء حزبا سياسيا " مدنيا ".هكذا تفوق سيادة المرشد على جارنا الملهم ، بأن قام بالتخلي عن ثوابته ومبادئه كلها دفعة واحدة ، وليس قطعة قطعة كما تقتضي قواعد الإثارة في فن السياسة ، فلفظ الحكم المدني يسقط كل الشعارات والمبادئ التي ستر بها الإخوان أنفسهم ، وأخفوا بها حقيقة دعوتهم منذ نشأتهم المباركة ، بل يفقدهم حتى مبرر وجودهم كقوة سياسية ، ويهدد الجماعة نفسها بالفناء والتلاشي.
فمصطلح الحكم المدني كما تفهمه القوى التي يغاذلها المرشد ، والتي فرضت عليه استخدامه ، يعني حرفياً " الحكم العلماني المتحرر من أي صبغة أيديولوجية أو دينية ، والذي لا يتحيز لفئة من المواطنين بأي شكل من الأشكال ، و يمنح مواطنيه كافة الحقوق المدنية وفي مقدمتها التسعة الأساسية وهي: حق الحياة والحرية الشخصية وحرية التملك والتعاقد والتعبير والإعتقاد وتأسيس الجمعيات وتكوين عائلة والمساواة أمام القانون العلماني أيضا بالضرورة "
وإذا بحثنا في حيثيات مصطلح الحكم المدني ومعنى كل حق من هذه الحقوق كما تحدده القوانين وينص عليه ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سنجد أنها تنسف كل أدبيات الفكر السياسي السلفي وكل الشعارات الإخوانية وتلقي بها في غياهب النسيان। فالحكم المدني يحظر الدعوة لإقامة دولة إسلامية ، وحق الحياة يتعارض مع حدود القتل والقطع ، وحرية التعبير تتناقض مع الحجر على الدعوة للأديان الأخرى وللمذاهب الإلحادية والمادية وغيرها ، وحرية الإعتقاد تتناقض مع حد الردة ، وحق المساواة أمام القانون يحظر الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية ... إلخ ، فماذا يبقي إذن من الإسلام السياسي ؟ وماذا يتبقى من دعوة الإخوان إذا طرحنا منها ما سبق ؟ ولأي غرض تبقى الجماعة على قيد الحياة.
طبعا كل هذه الأسئلة دارت في خلد سيادة المرشد أو على الأقل أكثر معاونيه قبل الإقدام على الإدلاء بهذا التصريح الخطير ، لعلمهم بما يعنيه إصطلاحا ، ولعلمهم أيضا أنهم لن يستطيعوا هذه المرة ممارسة التقية السياسية التي اعتادوا عليها فيعلنوا على الملأ غير ما يسرون ، أويقولوا ما لا يفعلون ، ولن يسمح أحدا لهم بذلك ، لا القوى السياسية المحلية ، ولا النظام الحاكم ، ولا لجنة الأحزاب ، ولا منظمات حقوق الإنسان ، وأن هذه القوى جميعا ستنقض عليهم وتعمل مشارطها في أدبياتهم ، وهياكلهم التنظيمية ، وشعاراتهم ، والأسس الشرعية التي أقاموا عليها توجهاتهم الجديدة ، فليس اليوم كالبارحة।فكيف يهربون من إعلان الإفلاس السياسي ؟ وكيف يواجهون الآف من جماهير الإخوان المساكين الذين تم تجنيدهم تحت شعارات الدولة الإسلامية ، وتطبيق الشريعة الإسلامية ، والإسلام هو الحل ، لكي لا ينفضوا عن قيادة الجماعة ، أو ينقلبوا عليها ويكفرونها ؟ هل يقولوا لهم " فركش " بلغة السينما ، وكل واحد يروح وما يجيش بكرة ؟!
أن قيادة الإخوان فعلت ذلك لكنا رفعنا لهم قبعاتنا احتراما ، ورحبنا بهم كأفراد أعضاءا طبيعيين في المجتمع ، لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا ، وعفا الله عما سلف ، ولكن للأسف الشديد غلب الطبع التطبع ، وآثرت القيادة استخدام الإسلوب المعتاد في اللف والدوران ، والخداع والتضليل ، ولكنهم هذه المرة ، لا يخادعون الشعب فقط ، بل للأسف يخدعون أتباعهم أيضا।والخدعة هذه المرة لحسن حظنا مكشوفة وساذجة ولا تنطلي على أحد ، وتقضي ببساطة أن يعلن المرشد سعي الجماعة لإنشاء الحزب المدني دون شرح لمعنى المصطلح ، ثم يقوم بتدليك المشاعر الدينية لأتباعه بإضافة عبارة " بمرجعية إسلامية " ، وهي عبارة يعلم جيدا أنها لا يمكنها أن تكتب في اي مذكرة رسمية تقدم لأي جهة رسمية داخلية أو خارجية ، إلا فيما يتعلق ببعض قوانين الأحوال الشخصية والجنازات ودفن الموتى وما إلى ذلك ، أي أنها مجرد عبارة لإستهلاك الدراويش من الأتباع لبعض الوقت حتى يتسنى للقيادة ومشايخها وأبواقها الإعلامية تجريعهم الدواء واحدة واحدة
يزول الحرج ، ونضرب سبعة عصافير بحجر واحد ، فنرضي من نتجمل من أجلهم داخل وخارج حدود الوطن بإعلان قبولنا للحكم المدني العلماني على النهج التركي أو كالأحزاب الديموقراطية المسيحية في أوربا ، ونحتفظ بالمؤيدين والأنصار الذين سنظل في حاجة لأصواتهم في الإنتخابات إلى يوم الدين
لله أن هؤلاء الأنصار لديهم قائمة بالكتب الممنوع قراءتها على المؤمنين ، فهم لا يقراون غير كتب السلف الصفراء ، ولا يسمعون غير ما يصبه مشايخنا في آذانهم ، فلن يعرفوا الفرق بين الحكومة المدنية والحكومة الإسلامية حتى نصل إلى السلطة في سلام الآمنين ، وبعد ذلك لكل حادث "آية" و"حديث".
هكذا يخادعون الله والذين آمنوا ولكنهم ما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ، في قلوبهم مرض هو حب السلطة ، وفي سبيلها يضحون بالغالي والرخيص حتى بأصول العقيدة كما يفهمونها ، فيتبدلون ، ويتلونون ، والموجة الرائجة يركبون ، تماما كما كانوا يفعلون ، هم وآباؤهم الأولون ، حين هادنوا الإستعمار ، وهتفوا للملك المكار ، وأعوانه الفجار ، وأيدوا كل طاغية جبار ، ضد مصالح أبناء الشعب الأبرار.ديني ماشي ، مدني ماشي ، المهم خشبة من كرسي السلطان.ولعن الله ساس ويسوس ، وهو سبحانه الشافي المعافي.

منقول

ليست هناك تعليقات: